تعيش جماهير نادي النصر حالة من الترقب والانتظار منذ الإعلان عن رحيل المدرب البرتغالي جورجي جيسوس، الذي نجح خلال فترة قصيرة في إعادة الفريق إلى منصات التتويج واستعادة هيبته المحلية، بعدما قاد "العالمي" لتحقيق لقب دوري روشن السعودي للمحترفين وإنهاء سنوات من الغياب عن القمة، وبينما كان رحيل جيسوس يمثل نهاية مرحلة ناجحة بكل المقاييس بالنسبة للكثير من النصراويين، فإنه في الوقت ذاته فتح الباب أمام سؤال أكثر تعقيد: من هو المدرب القادر على مواصلة البناء والمحافظة على المكتسبات التي تحققت خلال الموسم الماضي؟
البحث عن خليفة جيسوس يدخل مراحله الحاسمة
منذ إعلان المدرب البرتغالي رفضه الاستمرار مع النصر وتجديد عقده، بدأت إدارة النادي رحلة البحث عن اسم يمتلك الخبرة والشخصية والقدرة على قيادة المشروع الفني خلال السنوات المقبلة.
وكان جيسوس قد فضل خوض تحدي جديد بعد نهاية الموسم، في ظل رغبته بخوض تجربة مختلفة خلال المرحلة المقبلة، وسط تقارير عديدة ربطته بإمكانية تولي تدريب أحد المنتخبات الوطنية الكبرى، خاصة بعد انتهاء منافسات كأس العالم 2026.
وفي المقابل، وجدت إدارة النصر نفسها أمام مهمة شديدة الحساسية، إذ لا يتعلق الأمر بالتعاقد مع مدرب جديد فحسب، بل باختيار شخصية قادرة على الحفاظ على الاستقرار الفني الذي افتقده الفريق لسنوات طويلة قبل وصول جيسوس.
وخلال الفترة الأخيرة، برز اسم المدرب الإيطالي أنطونيو كونتي كأحد أبرز المرشحين لتولي المهمة، وسط مؤشرات تؤكد اقترابه من قيادة الفريق العاصمي في الموسم المقبل.
أنطونيو كونتي يقترب من دوري روشن السعودي
التقارير الإعلامية المتداولة خلال الأيام الماضية أشارت إلى أن النصر وضع المدرب الإيطالي المخضرم أنطونيو كونتي على رأس قائمة المرشحين لتولي القيادة الفنية للفريق.
ويأتي ذلك بعد نهاية تجربة كونتي الأخيرة مع نادي نابولي الإيطالي، حيث أنهى الموسم في مركز الوصافة بالدوري الإيطالي وقاد الفريق لتحقيق لقب كأس السوبر الإيطالي.
ورغم النتائج الإيجابية التي حققها، فضّل المدرب الإيطالي مغادرة نابولي، مبرر قراره بوجود ظروف وأجواء داخل النادي لم تعد مناسبة لاستمراره على المدى الطويل.
كما ارتبط اسم كونتي خلال الفترة الماضية بإمكانية تولي تدريب المنتخب الإيطالي، إلا أن مستقبله لم يحسم بصورة نهائية حتى الآن، ما أبقى الباب مفتوح أمام احتمالية انتقاله إلى الدوري السعودي وخوض أول تجربة له في المنطقة العربية.
https://twitter.com/riyadiyatv/status/2062144907582513598
لماذا تنقسم جماهير النصر حول فكرة التعاقد مع كونتي؟
رغم القيمة الفنية الكبيرة التي يتمتع بها أنطونيو كونتي، فإن مجرد طرح اسمه أثار حالة من الانقسام بين جماهير النصر والمتابعين للشأن الرياضي السعودي.
ففي الوقت الذي يرى فيه البعض أن التعاقد مع مدرب بحجم كونتي يمثل إضافة هائلة للفريق، يعتقد آخرون أن المدرسة التدريبية الإيطالية لم تقدم التجارب المنتظرة داخل الكرة السعودية خلال السنوات الماضية.
وتستند هذه المخاوف إلى تجارب سابقة لم تحقق النجاح المطلوب، سواء على مستوى الأندية أو المنتخب الوطني، الأمر الذي جعل قطاع من الجماهير يتعامل بحذر مع فكرة التعاقد مع مدرب إيطالي جديد.
تجارب المدرسة الإيطالية في السعودية تثير التساؤلات
شهدت الكرة السعودية خلال الأعوام الأخيرة حضور عدد من المدربين الإيطاليين الذين دخلوا المنافسات المحلية بسيرة ذاتية قوية، لكن النتائج لم تكن دائمًا على مستوى التوقعات.
فقد قاد المدرب الإيطالي الشهير روبرتو مانشيني المنتخب السعودي في فترة سابقة، إلا أن تجربته لم تحقق الأهداف المرجوة، وانتهت قبل أن تكتمل بسبب تراجع النتائج والعديد من الخلافات الفنية.
كما خاض ستيفانو بيولي تجربة مع النصر لم تستمر طويلا، بعدما أخفق الفريق في تحقيق الأهداف الكبرى محليا وقاريا.
وقبل ذلك، مرت أسماء إيطالية معروفة على الملاعب السعودية، مثل والتر زينجا وفابيو كانافارو، لكن تجاربها لم تترك الأثر المنتظر على مستوى الإنجازات.
لذلك يرى بعض المتابعين أن التعاقد مع كونتي يحمل قدرًا من المخاطرة، خاصة إذا تم تقييمه فقط من زاوية الانتماء إلى المدرسة الإيطالية.
لماذا تبدو مقارنة كونتي بإنزاجي غير عادلة؟
واحدة من أكثر المقارنات التي تتكرر حاليا داخل الأوساط الرياضية هي المقارنة بين أنطونيو كونتي والمدرب الإيطالي سيموني إنزاجي.
لكن كثير من المحللين يرون أن هذه المقارنة قد تكون غير دقيقة، نظرا للاختلاف الكبير بين شخصيتي المدربين ومسيرتهما المهنية.
فإنزاجي بنى معظم خبراته داخل الكرة الإيطالية، بينما يمتلك كونتي سجل أكثر تنوع، بعدما خاض تجارب ناجحة خارج حدود إيطاليا، خصوصا في الدوري الإنجليزي الممتاز.
كما يتميز كونتي بشخصية قيادية صارمة للغاية، ويعرف بقدرته على فرض الانضباط داخل غرف الملابس، وهي نقطة يعتبرها البعض ميزة مهمة في بيئة تنافسية مثل دوري روشن.
في المقابل، ينتقد المدرب الإيطالي أحيانا بسبب تمسكه الشديد بأفكاره التكتيكية وعدم مرونته في تغيير أسلوب اللعب حتى خلال فترات تراجع النتائج.
خبرات عالمية تعزز حظوظ كونتي في النجاح
عند النظر إلى مسيرة أنطونيو كونتي التدريبية، نجد أنها تضم محطات ناجحة مع عدد من أكبر الأندية الأوروبية.
فقد صنع تاريخ مميز مع يوفنتوس وقاده للهيمنة على الدوري الإيطالي لعدة مواسم متتالية، قبل أن يكرر نجاحه مع إنتر ميلان ويعيده إلى منصة التتويج المحلية.
كما حقق لقب الدوري الإنجليزي الممتاز مع تشيلسي في واحدة من أنجح تجاربه التدريبية خارج إيطاليا.
هذه الخبرات المتنوعة تمنحه أفضلية واضحة مقارنة بالعديد من المدربين الذين اعتمدوا طوال مسيرتهم على العمل داخل بيئة كروية واحدة.
كونتي.. ملك البطولات المحلية بلا منازع
يشتهر أنطونيو كونتي في الأوساط الكروية بلقب "متخصص الدوريات"، وهو لقب لم يأتِ من فراغ.
فالمدرب الإيطالي نجح في حصد ألقاب الدوري المحلي مع معظم الأندية التي أشرف عليها، وأثبت مرارا قدرته على صناعة فرق تنافسية تمتلك شخصية البطل على مدار موسم كامل.
ولهذا السبب يرى كثيرون أن النصر، في حال تعاقده مع كونتي، سيحصل على مدرب قادر على المنافسة بقوة على لقب دوري روشن والمحافظة على الحضور المحلي القوي الذي تحقق في عهد جورجي جيسوس.
العقدة القارية التحدي الأكبر أمام كونتي
رغم النجاحات المحلية الكبيرة التي حققها المدرب الإيطالي طوال مسيرته، فإن سجله القاري يثير العديد من علامات الاستفهام.
ففي بطولة دوري أبطال أوروبا، لم يتمكن كونتي من تحقيق الإنجازات نفسها التي سجلها في البطولات المحلية.
وتكررت خروجاته المبكرة من المنافسات القارية سواء مع يوفنتوس أو تشيلسي أو إنتر أو نابولي، الأمر الذي جعل الكثير من النقاد يصفونه بأنه مدرب بطولات محلية أكثر من كونه متخصص في المنافسات القارية، وهنا تكمن المعضلة الحقيقية بالنسبة للنصر.
هل يتوافق كونتي مع أهداف النصر المستقبلية؟
إذا كان الهدف الرئيسي للنصر خلال الموسم المقبل هو الحفاظ على لقب الدوري السعودي، فإن أنطونيو كونتي يبدو خيار منطقيًا للغاية.
أما إذا كانت الأولوية المطلقة تتمثل في التتويج بلقب دوري أبطال آسيا للنخبة للمرة الأولى في تاريخ النادي، فإن علامات الاستفهام تصبح أكبر.
فالنصر يمتلك مشروع طموح يقوده النجم البرتغالي كريستيانو رونالدو، وتسعى الإدارة إلى استغلال هذه المرحلة التاريخية لتحقيق الإنجاز القاري الذي طال انتظاره.
لكن التجارب السابقة لكونتي لا تمنح الكثير من المؤشرات الإيجابية فيما يتعلق بالبطولات القارية طويلة النفس.
النصر أمام قرار مصيري
في النهاية، يبدو أن إدارة النصر تقف أمام واحد من أهم القرارات الفنية في تاريخها الحديث.
أنطونيو كونتي يمتلك شخصية قوية، وسجل حافل بالألقاب المحلية، وخبرات واسعة في إدارة الفرق الكبرى، وهي عوامل تجعله مرشح مثالي للحفاظ على قوة الفريق محليا.
في المقابل، يبقى السؤال الأكبر مرتبط بقدرته على تحقيق الحلم الآسيوي الذي تنتظره جماهير النصر منذ سنوات طويلة.
وبين الطموح المحلي والرغبة في كتابة تاريخ قاري جديد، ستحدد الأسابيع المقبلة ما إذا كان المدرب الإيطالي سيكون بالفعل الرجل المناسب لقيادة "العالمي" في المرحلة القادمة، أم أن إدارة النادي ستتجه نحو خيار آخر أكثر توافق مع أهدافها الاستراتيجية المستقبلية.
