يتصدر مشروع الربط الكهربائي بين اليمن والسعودية قائمة الحلول الإستراتيجية المطروحة لإنقاذ قطاع الكهرباء اليمني، في ظل الأزمة الخانقة التي تعيشها البلاد منذ سنوات، والتراجع الحاد في قدرات التوليد، إلى جانب الارتفاع المتواصل في الطلب على الطاقة الكهربائية، خصوصا خلال فترات الصيف ومواسم الذروة، ومع تسارع مشروعات الربط الكهربائي الإقليمي في منطقة الخليج والعالم العربي، عاد الحديث مجددا حول فرص انضمام اليمن إلى منظومة تبادل الطاقة الخليجية، باعتبارها خطوة قد تمثل تحول جذري في مستقبل الكهرباء داخل البلاد، ليس فقط من ناحية تقليل العجز، بل أيضا من حيث دعم الاستقرار الاقتصادي وتهيئة بيئة أفضل للاستثمار والتنمية.

لماذا يكتسب مشروع الربط الكهربائي بين اليمن والسعودية أهمية كبيرة؟

تزايد الاهتمام بهذا المشروع خلال الأشهر الأخيرة، خاصة بعد تصاعد أزمة انقطاع الكهرباء في المدن اليمنية، وارتفاع ساعات الانطفاءات إلى مستويات غير مسبوقة، الأمر الذي تسبب في أعباء معيشية واقتصادية ضخمة على المواطنين والمؤسسات والخدمات الحيوية.

ويرى متخصصون في قطاع الطاقة أن مشروع الربط الكهربائي مع السعودية لا يعد مجرد مشروع تقني لنقل الكهرباء، بل يمثل مشروع إستراتيجي طويل المدى يمكن أن يغيّر شكل قطاع الطاقة في اليمن بالكامل، من خلال ربطه بإحدى أقوى الشبكات الكهربائية في المنطقة.

وفي هذا السياق، أكد المتخصص في الطاقة المتجددة المهندس ناصر صبر أن المشروع يأتي ضمن رؤية إقليمية أوسع تستهدف تعزيز التكامل الكهربائي بين دول المنطقة، وتحسين كفاءة تبادل الطاقة وتوزيع الأحمال الكهربائية بين الدول المشاركة.

شبكة الربط الخليجي ودور اليمن المحتمل

خلال السنوات الماضية، عملت هيئة الربط الكهربائي لدول مجلس التعاون الخليجي على تطوير شبكة إقليمية متقدمة تسمح بتبادل الطاقة الكهربائية بين دول الخليج، بهدف مواجهة حالات الطوارئ وتحقيق الاستقرار في الإمدادات الكهربائية وتقليل تكاليف التشغيل.

ورغم الموقع الجغرافي المهم الذي يتمتع به اليمن واتصاله المباشر بالسعودية، إلا أنه لا يزال خارج منظومة الربط الكهربائي الخليجي، وهو ما يعتبره خبراء الطاقة فرصة غير مستغلة حتى الآن.

ويؤكد مختصون أن إدخال اليمن ضمن هذه المنظومة يمكن أن يفتح آفاق واسعة أمام البلاد، سواء من حيث استقرار الإمدادات الكهربائية أو مستقبلا عبر الاستفادة من مشاريع الطاقة المتجددة وتصدير الفائض الكهربائي.

قدرات كهربائية عربية ضخمة لكن الربط ما يزال محدود

بحسب تصريحات المهندس ناصر صبر، فإن الدول العربية تمتلك قدرات إنتاج كهربائي هائلة تتجاوز 300 غيغاواط، إلا أن قدرات الربط الكهربائي الفعلية بين هذه الدول لا تزال محدودة نسبيا، حيث تقدر بنحو 15.8 غيغاواط فقط.

هذا الرقم يعكس فجوة كبيرة بين الإمكانات المتاحة وحجم التكامل الحقيقي في قطاع الكهرباء العربي، خاصة أن الربط الكهربائي أصبح اليوم من أهم أدوات تعزيز الأمن الطاقي وتقليل تكاليف الإنتاج وتحسين استقرار الشبكات.

أزمة الكهرباء في اليمن تتفاقم عام بعد آخر

يعاني قطاع الكهرباء في اليمن من أزمات مركبة ومتراكمة منذ سنوات، نتيجة تضرر البنية التحتية، وضعف الاستثمار، وارتفاع تكاليف الوقود، إضافة إلى التأثيرات المباشرة للصراع المستمر في البلاد.

وأوضح المهندس ناصر صبر أن العجز في التوليد الكهربائي داخل مدينة عدن وحدها وصل إلى نحو 244 ميغاواط، في وقت ارتفعت فيه ذروة الأحمال إلى حوالي 710 ميغاواط خلال عام 2026، مقارنة بـ690 ميغاواط في صيف 2025، ما يعكس زيادة مستمرة في الطلب مقابل محدودية القدرة الإنتاجية.

كما أشار إلى أن نسبة الفاقد في شبكة الكهرباء اليمنية تصل إلى نحو 50%، وهو رقم خطير يعكس حجم التهالك الذي تعانيه شبكات النقل والتوزيع، إلى جانب ضعف الصيانة وقدم البنية التحتية.

ساعات انقطاع الكهرباء تتجاوز 20 ساعة يومياً

واحدة من أخطر مظاهر الأزمة الكهربائية في اليمن تتمثل في الانقطاعات الطويلة التي تعاني منها العديد من المدن، حيث تتجاوز ساعات انقطاع التيار الكهربائي في بعض الفترات أكثر من 20 ساعة يوميا.

وتسببت هذه الأزمة في تعطيل قطاعات حيوية عديدة، أبرزها المستشفيات، ومحطات المياه، والمدارس، والأنشطة التجارية والصناعية، ما أدى إلى مضاعفة الأعباء الاقتصادية والإنسانية على المواطنين.

كما أشار مختصون إلى أن بعض التدخلات الحالية تعتمد على حلول مؤقتة، مثل توفير الوقود لمحطات الكهرباء، دون معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، الأمر الذي يجعل المشكلة تتكرر باستمرار.

دعم سعودي لقطاع الكهرباء اليمني

ضمن الجهود الرامية لدعم قطاع الطاقة في اليمن، قدمت السعودية خلال مطلع عام 2026 منحة مخصصة لشراء الوقود من حقول بترومسيلة، وهو ما ساهم في تشغيل أكثر من 70 محطة كهرباء حكومية.

وتركز الدعم بشكل خاص على محافظتي حضرموت والمهرة، نظرا لأهميتهما الإستراتيجية وارتباطهما بقطاع النفط والطاقة.

ويرى مراقبون أن هذه الخطوات تعكس اهتمام سعودي باستقرار قطاع الكهرباء اليمني، باعتباره عامل مهم لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والخدمي داخل البلاد.

عودة مشروع الربط الكهربائي إلى الواجهة في 2026

عاد مشروع الربط الكهربائي بين اليمن والسعودية إلى دائرة النقاش بقوة خلال أبريل 2026، ضمن حزمة أوسع من المشروعات والاستثمارات المشتركة في قطاعي الطاقة والنفط.

وبحسب التصريحات الرسمية، فإن المشروع لا يزال في مرحلة الدراسة، ولم يتم الإعلان حتى الآن عن تفاصيله الفنية أو الجدول الزمني الخاص بتنفيذه، إلا أن التوجهات الحالية تشير إلى رغبة حقيقية في تطوير شراكات إستراتيجية بمجال الطاقة بين البلدين.

كيف يمكن أن يخفف المشروع أزمة الكهرباء في اليمن؟

يرى خبراء الطاقة أن أبرز مزايا مشروع الربط الكهربائي تكمن في قدرته على توفير حل سريع نسبياً لأزمة العجز الكهربائي، من خلال إمكانية ضخ ما بين 500 إلى 1000 ميغاواط من الكهرباء عبر خطوط الربط المباشر.

هذه الكميات يمكن أن تقلل بشكل كبير من فجوة العجز الحالية، وتخفف ساعات الانقطاع في المدن الرئيسية، خاصة أن الكهرباء المستوردة من الشبكة السعودية تتمتع بدرجة عالية من الاستقرار والموثوقية مقارنة ببعض المحطات المحلية التي تعاني نقص الوقود والأعطال المتكررة.

تقليل الاعتماد على الوقود المستورد

واحدة من أهم الفوائد الاقتصادية المتوقعة من المشروع تتمثل في تقليل الاعتماد على الوقود المستورد لتشغيل محطات الكهرباء، وهو ما يشكل عبئ مالي كبير على الدولة اليمنية.

فمع ارتفاع أسعار الوقود عالميا وتقلب تكاليف الشحن والإمدادات، أصبح تشغيل محطات الكهرباء التقليدية أكثر تكلفة، في حين يمكن للربط الكهربائي أن يوفر بديلاً أكثر استقرار وأقل تكلفة على المدى المتوسط.

فرصة كبيرة لدعم مشاريع الطاقة المتجددة

أكد المهندس ناصر صبر أن مشروع الربط الكهربائي قد يفتح الباب أيضا أمام تطوير مشاريع الطاقة النظيفة في اليمن، خاصة في مجالي الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.

ويمتلك اليمن إمكانات طبيعية ضخمة في هذا القطاع، لكنه ما يزال غير مستغل بالشكل المطلوب بسبب ضعف البنية التحتية ونقص الاستثمارات.

ومع تحسن الاستقرار وتطوير الشبكات، يمكن لليمن مستقبلا تصدير فائض الطاقة المتجددة إلى السعودية، خصوصا مع توجه المملكة لرفع مساهمة الطاقة النظيفة إلى 50% بحلول عام 2030.

تحديات ضخمة تواجه تنفيذ المشروع

ورغم الفوائد الكبيرة المتوقعة، إلا أن مشروع الربط الكهربائي يواجه تحديات معقدة تتطلب معالجة شاملة قبل بدء التنفيذ الفعلي.

ويؤكد خبراء أن البنية التحتية المدمرة في اليمن تمثل العقبة الأكبر أمام المشروع، حيث تحتاج شبكات النقل والتوزيع إلى إعادة تأهيل واسعة قبل القدرة على استقبال كميات كبيرة من الكهرباء المستوردة.

كما تشير التقديرات إلى أن تكلفة إنقاذ قطاع الكهرباء في عدن وحدها قد تتجاوز 1.5 مليار دولار، فضلاً عن احتياجات مماثلة في محافظات أخرى.

التحديات الأمنية والسياسية

إلى جانب التحديات الفنية والمالية، يبقى الاستقرار السياسي والأمني أحد أهم الشروط الأساسية لإنجاح المشروع، نظرا لطبيعته العابرة للحدود.

فأي توترات أمنية قد تؤدي إلى تعطيل خطوط الربط أو التأثير على استمرارية المشروع، وهو ما يجعل نجاحه مرتبطاً بشكل مباشر بتحقيق قدر أكبر من الاستقرار داخل اليمن.

كما أن تنفيذ المشروع يتطلب توافق فني كامل بين الشبكتين اليمنية والسعودية، من حيث التردد الكهربائي، والجهد، وأنظمة التشغيل، وهي أمور تحتاج إلى دراسات هندسية دقيقة وفترات اختبار طويلة.

مشروع إستراتيجي قد يغير مستقبل الطاقة في اليمن

في النهاية، يرى مراقبون أن مشروع الربط الكهربائي بين اليمن والسعودية لا يمثل مجرد اتفاق لتبادل الكهرباء، بل مشروع إستراتيجي يمكن أن يعيد تشكيل مستقبل الطاقة في اليمن خلال السنوات المقبلة.

فبالنسبة لليمن، قد يساهم المشروع في تحسين الخدمات الأساسية، وتقليل الانقطاعات، وتهيئة بيئة اقتصادية أكثر استقرار وجذب للاستثمارات.

أما بالنسبة للسعودية، فيمثل المشروع فرصة لتعزيز التكامل الإقليمي وتوسيع استثماراتها في قطاع الطاقة، إضافة إلى دعم الاستقرار في محيطها الجغرافي.

ويبقى نجاح المشروع مرهون بقدرة الأطراف المعنية على تجاوز التحديات الفنية والاقتصادية والسياسية، وتحويل هذه الرؤية إلى واقع عملي يمكن أن يغير حياة ملايين اليمنيين الذين يعانون يومياً من أزمة كهرباء مستمرة منذ سنوات طويلة.