تشهد مجموعة سليمان الحبيب للخدمات الطبية، إحدى أكبر شركات الرعاية الصحية في المنطقة، مرحلة مفصلية في مسيرتها الاستثمارية، مع تزايد تأثير ما يعرف اقتصاديًا بـ"ضريبة النمو" على نتائجها المالية، فبينما تمضي الشركة قدما في تنفيذ خطط توسعية طموحة، بدأت هذه الاستثمارات الضخمة تنعكس بشكل مباشر على مستويات الربحية، وهو ما ظهر جليا في نتائجها الأخيرة التي سجلت أول تراجع في الأرباح منذ إدراجها في السوق المالية السعودية (تداول) عام 2020.
تراجع الأرباح رغم استمرار النمو
أعلنت المجموعة عن انخفاض أرباحها بنسبة تقارب 10% لتصل إلى نحو 503 ملايين ريال، في أداء جاء أقل من متوسط توقعات المحللين، ما أثار تساؤلات حول كفاءة التوسع وتأثيره على العوائد قصيرة الأجل.
ولم يقتصر التباطؤ على الأرباح فقط، بل امتد ليشمل الإيرادات، التي سجلت نمو محدود بنحو 8.8% لتصل إلى 3.4 مليار ريال، وهو أبطأ معدل نمو تحققه الشركة منذ إدراجها في السوق.
هذا الأداء يعكس تحديات مركبة تواجه الشركة، حيث أصبح تحقيق التوازن بين التوسع السريع والحفاظ على هوامش الربحية أمر أكثر تعقيد في ظل الظروف الاقتصادية الحالية.
ثلاثة عوامل رئيسية وراء تراجع الأداء
- التوسعات الكبيرة وارتفاع التكاليف الثابتة
- خلال العامين الماضيين، نفذت المجموعة خطة توسعية واسعة شملت افتتاح ستة مستشفيات جديدة في مدن رئيسية مثل الرياض وجدة والخرج.
- هذه المشاريع، رغم أهميتها الاستراتيجية، بدأت منذ اليوم الأول في تحميل الشركة أعباء محاسبية كبيرة، بغض النظر عن نسب الإشغال الفعلية، ما أدى إلى ارتفاع ملحوظ في التكاليف التشغيلية الثابتة.
- ارتفاع تكاليف التمويل
- مع استمرار بيئة أسعار الفائدة المرتفعة عالميا، اضطرت المجموعة إلى تحمل تكاليف تمويل إضافية لدعم مشاريعها الجديدة.
- هذه التكاليف ساهمت بشكل مباشر في الضغط على صافي الأرباح، خاصة مع عدم تحقيق العوائد الكاملة من المشاريع التي لا تزال في مراحلها التشغيلية الأولى.
- تأخر الوصول إلى نقطة التعادل
- تعد الفترة اللازمة لوصول المستشفيات الجديدة إلى نقطة التعادل التشغيلي من أبرز التحديات في قطاع الرعاية الصحية.
- ففي السوق السعودي، تحتاج المنشآت الطبية الجديدة عادة إلى ما بين 18 و36 شهر لتحقيق مستويات إشغال مستقرة.
- وبالنسبة لمجموعة الحبيب، فإن غالبية المشاريع الجديدة لا تزال ضمن هذه المرحلة، ما يعني أنها لم تسهم بعد بشكل كامل في دعم الإيرادات.
تأثير العوامل الموسمية والمنافسة
تزامنت نتائج الربع الأول مع شهر رمضان، الذي يشهد عادة انخفاض في عدد الزيارات الطبية الاختيارية وتأجيل بعض العمليات الجراحية.
ورغم أن هذا التأثير يعد موسمي ومتكرر، إلا أن حجم التراجع هذا العام كان أكبر من المعتاد، ما يشير إلى وجود عوامل إضافية.
من أبرز هذه العوامل اشتداد المنافسة في قطاع الرعاية الصحية، إلى جانب التحديات المرتبطة بشركات التأمين، خاصة وأن عملاء التأمين يمثلون نحو 76% من إجمالي إيرادات المجموعة، وهو ما يجعل أي تغييرات في سياسات التأمين أو سداد المطالبات ذات تأثير مباشر على الأداء المالي.
استراتيجية التوسع ورهان على المستقبل
اعتمدت المجموعة استراتيجية توسعية جريئة تهدف إلى تعزيز حضورها في السوق والاستحواذ على حصة أكبر في المناطق الحيوية.
ففي عام 2024، أضافت الشركة طاقة استيعابية تصل إلى 1200 سرير عبر مشاريع مثل مستشفى الفيحاء في جدة، ومستشفى الصحافة ومستشفى صحة المرأة في الرياض.
كما واصلت توسعها بإضافة 800 سرير إضافي من خلال مستشفيات الحمراء، والخرج، والمحمدية خلال العام الماضي.
هذا التوسع الكبير يعكس رؤية طويلة الأمد تستهدف تعزيز مكانة الشركة كأحد أبرز مزودي الخدمات الصحية في المنطقة.
ضغط مستمر على هوامش الربحية
نتيجة لهذه التوسعات، شهدت هوامش الربحية تراجع ملحوظ، حيث انخفض هامش الدخل الإجمالي بنحو 5 نقاط مئوية ليصل إلى 27.8%، وهو أقل من متوسطه خلال السنوات الخمس الماضية، كما تراجع الهامش الصافي بنحو 3 نقاط مئوية ليصل إلى 14.6%.
في المقابل، أظهر هامش الأرباح قبل الفوائد والضرائب والإهلاك قدر أكبر من الصمود، حيث تراجع بشكل طفيف بنحو نقطة مئوية واحدة فقط، ما يعكس قدرة نسبية على احتواء جزء من الضغوط التشغيلية.
قراءة مستقبلية بين التحديات والفرص
رغم الضغوط الحالية، فإن هذه المرحلة قد تعد انتقالية في مسار المجموعة، حيث يتوقع أن تبدأ المشاريع الجديدة في تحقيق عوائد ملموسة خلال الفترات القادمة مع ارتفاع نسب الإشغال وتحسن الكفاءة التشغيلية.
وفي حال نجاح الشركة في إدارة تكاليفها وتحقيق الاستفادة القصوى من طاقتها الاستيعابية الجديدة، فقد تتحول هذه التوسعات إلى محرك رئيسي للنمو وتعزيز الربحية على المدى المتوسط والطويل.
في النهاية، تظل تجربة مجموعة سليمان الحبيب نموذج واضح للتحدي الذي تواجهه الشركات سريعة النمو: كيف يمكن تحقيق التوسع دون التضحية بالأداء المالي؟ وهو سؤال ستكشف الإجابة عليه نتائج الفترات القادمة.
