في رواية فتحي غانم الشهيرة “الرجل الذي فقد ظله”، والتي تحولت لاحقا إلى واحد من أبرز الأعمال السينمائية في تاريخ الفن العربي، ظهر نموذج الإنسان الذي يطارد المجد بأي ثمن، حتى وإن اضطر للتخلي عن المبادئ والعلاقات والولاء وكل ما يربطه بماضيه، شخصية يوسف، التي جسدها الفنان الكبير كمال الشناوي، كانت انعكاسًا لطموح لا يعرف الحدود، ورغبة عارمة في الصعود مهما كانت التضحيات، قبل أن تنقلب الموازين في النهاية ويخسر كل شيء تقريبا.

من إنتر ميلان إلى الهلال.. رحلة قرار غيّر صورة إنزاجي بالكامل

في عالم كرة القدم، يبدو أن قصة المدرب الإيطالي سيموني إنزاجي تحمل الكثير من ملامح تلك الرواية الشهيرة، لكن مع اختلاف مهم؛ فهنا لا وجود لشخصية “شوقي” التي تمثل الثبات على المبادئ والقيم، بل هناك فقط شخصية تبحث عن المجد والفرصة الأكبر، حتى لو كان الثمن خسارة جزء كبير من صورتها أمام الجماهير.

إنزاجي، الذي تحول خلال سنوات قليلة إلى واحد من أبرز المدربين في أوروبا بعد نجاحاته اللافتة مع إنتر ميلان، وجد نفسه فجأة في قلب عاصفة من الانتقادات بعد قراره الرحيل إلى الدوري السعودي لتولي تدريب الهلال.

وجاءت هذه الخطوة في توقيت حساس للغاية، خاصة أن المدرب الإيطالي كان مرشح بقوة لخوض تجارب أكبر داخل أوروبا، مع ارتباط اسمه بعدد من أندية الدوري الإنجليزي الممتاز، إلى جانب الإشادات المستمرة التي تلقاها من كبار المدربين وعلى رأسهم بيب جوارديولا، الذي وصفه في أكثر من مناسبة بأنه أحد أفضل المدربين على الساحة الأوروبية.

المال والطموح الأسباب الحقيقية وراء قرار الرحيل

ورغم محاولات إنزاجي تقديم مبررات فنية ورياضية لقراره، فإنه لم ينكر أبدا أن الجانب المالي لعب دور مهم في اختياره خوض التجربة السعودية، خصوصا مع الحديث عن حصوله على راتب ضخم يقترب من 25 مليون يورو سنويا بعقد يمتد لعامين.

المدرب الإيطالي أكد أن رغبته لم تكن مرتبطة بالأموال فقط، بل أيضا بخوض تحدي جديد وتجربة مختلفة بعيد عن أجواء الكرة الإيطالية، لكنه في المقابل لم يتمكن من إقناع جماهير إنتر بهذه الرواية.

فمن وجهة نظر قطاع واسع من جماهير النادي الإيطالي، جاء قرار الرحيل في توقيت مثير للجدل، خاصة أن التقارير أكدت دخوله في مفاوضات مع الهلال قبل مواجهة باريس سان جيرمان في نهائي دوري أبطال أوروبا، وفي مرحلة كانت تُعد الأهم في موسم إنتر، حين كان الفريق ينافس على أكثر من بطولة محلية وقارية.

ولم تنس جماهير إنتر أن الفريق تعرض لهزيمة قاسية في نهائي دوري الأبطال، وهي خسارة اعتبرها كثيرون وصمة مؤلمة في تاريخ النادي، ما جعل البعض يربط بين تراجع التركيز داخل الفريق وبين انشغال المدرب بمستقبله الجديد في السعودية، رغم نفي إنزاجي المتكرر لأي تأثير للمفاوضات على نتائج الفريق في نهاية الموسم.

بداية قوية في الهلال لم تكن كافية

وعندما وصل إنزاجي إلى الهلال، بدا في البداية أن المدرب الإيطالي قادر على فرض نفسه سريعا داخل الكرة السعودية، خاصة بعد النتائج الإيجابية التي حققها الفريق في بطولة كأس العالم للأندية، والتي شهدت انتصار مهم على مانشستر سيتي وتعادلًا أمام ريال مدريد، إلى جانب الوصول إلى الدور ربع النهائي.

هذه البداية منحت جماهير الهلال بعض الأمل في أن المشروع الجديد قد يحقق نجاحات كبيرة، لكن الأمور لم تستمر بنفس الصورة، إذ بدأت الانتقادات تتصاعد تدريجيًا مع تراجع الأداء الفني للفريق وفقدان عدد من البطولات المهمة.

ورغم امتلاك الهلال لكوكبة من النجوم وإمكانات ضخمة، فإن أسلوب لعب إنزاجي لم ينجح في إقناع قطاع واسع من الجماهير والإعلام الرياضي السعودي، الذين اعتبروا أن الفريق لا يقدم المستوى المنتظر مقارنة بحجم الأسماء الموجودة داخل التشكيلة.

خسارة الدوري تعيد فتح الجراح القديمة

وزادت الضغوط على المدرب الإيطالي بعد خسارة لقب الدوري السعودي في الأمتار الأخيرة، لتتكرر معه نفس السيناريوهات التي لاحقته خلال مسيرته التدريبية في إيطاليا.

فإنزاجي سبق أن خسر سباقات الدوري أمام مدربين مثل ستيفانو بيولي مع ميلان، وماوريتسيو ساري مع يوفنتوس، ولوتشيانو سباليتي مع نابولي، إضافة إلى أنطونيو كونتي، قبل أن يضاف إلى القائمة الآن المدرب البرتغالي جورجي جيسوس مع النصر.

هذا السقوط الجديد لم يمر مرور الكرام، سواء داخل السعودية أو حتى في إيطاليا، حيث استغلت جماهير إنتر الفرصة للرد على مدربها السابق، معتبرة أن ما يحدث معه في الهلال يؤكد أن قراره بمغادرة أوروبا لم يكن قرار رياضي بقدر ما كان قرار مالي.

كما بدأ بعض المحللين والجماهير في التشكيك بقدراته التدريبية، خاصة بعد خسارته أكثر من بطولة في دوري يرى كثيرون أنه أقل تنافسية من الدوري الإيطالي.

مستقبل غامض وضغوط متزايدة داخل الهلال

ويعيش إنزاجي الآن واحدة من أكثر المراحل حساسية في مسيرته التدريبية، خاصة أن عقده مع الهلال يتبقى فيه موسم واحد فقط، في وقت تتزايد فيه التساؤلات حول مستقبله مع النادي.

فالاستمرار مع الهلال يعني أن المدرب الإيطالي سيكون مطالبًا بتحقيق كل البطولات الممكنة خلال الموسم المقبل، ليس فقط لإرضاء جماهير النادي، بل أيضا لاستعادة صورته كمدرب كبير قادر على صناعة الفارق وتحقيق الإنجازات.

ورغم تأكيد إنزاجي رغبته في الاستمرار، فإن مستقبل المشروع قد يعتمد بشكل كبير على موقف الإدارة الجديدة المرتبطة بالأمير الوليد بن طلال، والتي لن تقبل بسهولة بموسم يكتفي فيه الهلال بتحقيق بطولة محلية واحدة فقط، خاصة أن ثقافة النادي قائمة دائمًا على المنافسة على جميع الألقاب.

ولهذا، فإن خيار إقالة المدرب الإيطالي لا يبدو مستبعدًا بالنسبة للكثيرين، خصوصا في ظل راتبه الضخم والنتائج التي يعتبرها البعض أقل من حجم الطموحات والإمكانات المتاحة.

هل فقد إنزاجي ظله بالفعل؟

السؤال الذي يفرض نفسه الآن داخل الأوساط الرياضية: هل كان انتقال إنزاجي إلى السعودية خطوة ذكية لبناء مجد جديد، أم أنه قرار سيطارده طويلًا ويؤثر على صورته في أوروبا؟

فالرجل الذي كان قبل أشهر قليلة فقط يُصنف ضمن نخبة المدربين في القارة الأوروبية، أصبح اليوم محل جدل وانتقادات مستمرة، بين من يرى أنه اختار الأموال على حساب مشروعه الرياضي، ومن يعتقد أن الحكم عليه لا يزال مبكرا.

لكن المؤكد أن الموسم المقبل سيكون حاسم في رسم مستقبل المدرب الإيطالي، فإما أن ينجح في إعادة الهلال إلى منصات البطولات الكبرى ويستعيد مكانته كأحد أفضل مدربي العالم، أو تتحول تجربته السعودية إلى قصة أخرى تشبه كثير “الرجل الذي فقد ظله”.