في مشهد يجسد عظمة الطموح السعودي وقدرته على تحويل المستحيل إلى واقع ملموس، أعلنت شركة "ثورنتون توماسيتي" الهندسية في العشرين من أبريل الماضي أن برج جدة تجاوز بنجاح حاجز 100 طابق ليبلغ ارتفاع يتراوح بين 398 و400 متر فوق سطح الأرض، في قفزة نوعية استثنائية تعلن للعالم أن هذا المشروع العملاق انتقل بكل ثقة من مرحلة التخطيط والحلم إلى مرحلة التنفيذ الفعلي لأبراج فائقة الارتفاع بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، ووثقت كل من شركة المملكة القابضة و"ثورنتون توماسيتي" هذا الإنجاز التاريخي، مسلطتين الضوء على وتيرة بناء مذهلة تشير إلى إضافة نحو 9 طوابق وما يقارب 30 متر خلال أقل من شهر واحد، وهو ما يكشف عن آلة إنشائية ضخمة تعمل بكفاءة منقطعة النظير.
سجل صفر وفيات وعشرة ملايين ساعة عمل
لا يقتصر تميز برج جدة على أرقامه الهندسية المبهرة، بل يمتد ليشمل بعد إنساني واجتماعي بالغ الأهمية، يتجلى في الحرص الاستثنائي على سلامة العمال المنفذين لهذا الصرح العملاق.
فقد سجلت مجموعة بن لادن السعودية المقاول الرئيسي للمشروع أكثر من 10 ملايين ساعة عمل دون أي إصابة تؤخر التنفيذ، محافظة على سجل مشرف وصفته شركة المملكة القابضة في جميع تحديثاتها بـ"سجل صفر وفيات"، وهو رقم قياسي يستحق التأمل في ضوء ما يتسم به هذا النوع من المشاريع العملاقة من مخاطر بنيوية وبيئية عالية.
ويعكس هذا الإنجاز الأمني مدى النضج المؤسسي الذي بلغته مجموعة بن لادن السعودية في إدارة المخاطر وتطبيق أعلى معايير السلامة المهنية، وهو ما يجعل هذا المشروع نموذج يحتذى به على مستوى صناعة البناء والتشييد في المنطقة والعالم.
أرقام تذهل العقول
تكشف نتائج الربع الأول من عام 2026 الصادرة عن شركة المملكة القابضة عن حجم العملية الإنشائية الجارية بتفاصيل تجسد ضخامة هذا المشروع وتعقيده في آن معا.
فقد وصل البرج إلى الطابق 99 وقت إعداد التقرير، مع تركيب كسوة الواجهة الخارجية على أكثر من 36 طابق من الأسفل، وتقدم ملموس في أعمال أنظمة الميكانيكا والكهرباء والسباكة في الطوابق المكتبية من السابع حتى الرابع عشر، وصب ما يزيد على 274,000 متر مكعب من الخرسانة حتى تاريخ إعداد التقرير، وهو ما تقدره الشركة بنسبة 61% من إجمالي متطلبات الخرسانة الكلية للمشروع.
وعلى صعيد القوى العاملة، ارتفع عدد العمال النشطين إلى 6000 عامل في أبريل بعد أن كان نحو 5200 في مارس، يعملون جميعا على مدار الساعة عبر مسارات عمل متعددة ومتوازية تشمل في الوقت ذاته أعمال الهيكل الإنشائي وأعمال الواجهات وأنظمة المبنى، في منهجية بناء متزامنة لا تنتظر إكمال مرحلة لبدء التي تليها، مما يعظم الكفاءة ويختصر الزمن إلى حدوده الدنيا.
دورة بناء خمسة أيام لكل طابق
من أبرز ما أفصحت عنه التحديثات الأخيرة لمشروع برج جدة تحقيق دورة بناء استثنائية بلغت خمسة أيام لكل طابق خلال شهر مارس الماضي، وهو معدل يصنف من بين أسرع معدلات البناء في تاريخ الأبراج فائقة الارتفاع على مستوى العالم.
وقد تحقق هذا الرقم القياسي حين كان البرج يشق طريقه نحو الطابق الواحد والتسعين عند ارتفاع 370 متر، في ظل قوة عاملة كانت تبلغ آنذاك قرابة 5200 عامل يسجلون أكثر من 8 ملايين ساعة عمل دون إصابات توقف المسيرة.
وتؤكد هذه الوتيرة المذهلة أن المشروع يسير بخطى محكمة نحو تحقيق هدف الانتهاء المُحدَّد لعام 2028 وفقا لما أعلنه الرئيس التنفيذي لشركة جدة الاقتصادية طلال الميمان في يناير الماضي.
عقد بـ7.2 مليار ريال وتمويل داخلي
على الصعيد المالي والتعاقدي، وقعت شركة جدة الاقتصادية عقد استكمال المشروع مع مجموعة بن لادن السعودية في أكتوبر 2024 بقيمة إجمالية بلغت 7.2 مليار ريال سعودي ما يعادل قرابة ملياري دولار أمريكي، وذلك بعد سنوات من التوقف الطويل الذي شهده المشروع عقب إكمال 63 طابق في مرحلته الأولى.
وأوضحت شركة المملكة القابضة أن مدة التنفيذ المتبقية تبلغ 42 شهر، مع اعتماد آلية تمويل مرنة تجمع بين التمويل الذاتي الداخلي والتسهيلات المصرفية المتاحة، مما يوفر قدر من الاستقرار المالي يضمن استمرارية العمل دون انقطاع.
مدينة جدة الاقتصادية برج يقود مشروع حضاري على 5.3 مليون متر مربع
لا يقف برج جدة وحيد في الميدان، بل هو قلب نابض لمشروع حضاري متكامل يعرف بـ"مدينة جدة الاقتصادية" الممتدة على مساحة استثنائية تبلغ 5.3 مليون متر مربع في منطقة أبحر شمال مدينة جدة على ساحل البحر الأحمر.
ويضم البرج في تصميمه النهائي مزيج متعدد الاستخدامات يجسد مفهوم المدينة الرأسية الكاملة، مكون من فندق "فور سيزونز" بمعاييره الفندقية الراقية المعروفة عالميا، وشقق سكنية عصرية فاخرة، ومكاتب أعمال على مستوى الشركات الكبرى، ووحدات سكنية فاخرة من نوع الكوندومينيوم، فضلا عن أعلى منصة مشاهدة في العالم تطل بكل بهائها على مياه البحر الأحمر الزرقاء من ارتفاع يبلغ 630 متر وفقا لتقارير شركة المملكة القابضة.
وقد تمت بالفعل الانتهاء من تنفيذ البنية التحتية للمرحلة الأولى كاملة، بما تشمله من شبكات خدمات وصرف صحي وتصريف مياه أمطار واتصال بالإنترنت عالي السرعة، مما يهيئ الأرضية اللوجستية الكاملة لاستقبال ساكني هذا الصرح المنتظر.
فريق عالمي من الأكفأ وعقول هندسية تصنع التاريخ في جدة
يجمع مشروع برج جدة نخبة من أبرز الأسماء في عالم الهندسة والعمارة والإدارة على المستوى الدولي، مما يوفر ضمانات راسخة للجودة والكفاءة في كل مراحل التنفيذ. فـشركة جدة الاقتصادية تقود دفة التطوير الكلي للمشروع، فيما تضطلع مجموعة بن لادن السعودية بمهام المقاول الرئيسي المنفذ بكل ما تحمله هذه المسؤولية من ثقل وتحديات.
وتتولى "دار الهندسة" تقديم الاستشارات الهندسية المتخصصة، بينما تشرف "تيرنر بروجيكت مانجمنت" على إدارة المشروع وضبط الجداول الزمنية والتنسيق بين الأطراف المختلفة.
أما التصميم المعماري الاستثنائي فيحمل بصمة مكتب "أدريان سميث وغوردون غيل"، الشركة التي صممت عدد من أشهر ناطحات السحاب في العالم.
الكيلومتر الكامل الهدف الأسمى الذي يعيد تعريف حدود الهندسة البشرية
يتجه برج جدة بخطى ثابتة ومحسوبة نحو هدفه النهائي الأكثر إبهار، وهو تجاوز حاجز الكيلومتر الكامل ارتفاع ليصبح أول مبنى في تاريخ الحضارة البشرية يبلغ هذا الارتفاع المذهل، وذلك وفقا لما تؤكده شركة "ثورنتون توماسيتي" التي تشير إلى أن التصميم النهائي للبرج يستهدف تحقيق هذا الرقم التاريخي.
وعند اكتمال تشييده، سيتجاوز برج جدة برج خليفة في دبي الذي يبلغ ارتفاعه 828 متر ليتوج أعلى مبنى في العالم بلا منازع، محول مدينة جدة إلى عنوان عالمي لأرقى إنجازات الهندسة والعمارة في القرن الحادي والعشرين.



