لا تزال قضية كريم بنزيما وعلاقته بنادي الهلال السعودي تشعل النقاشات الكروية في الأوساط الرياضية، غير أن الرأي الذي يتصاعد بقوة في أروقة المتابعين والمحللين يميل بصورة واضحة نحو حتمية إنهاء هذه الشراكة بانتهاء الموسم الحالي، استناد إلى جملة من الحجج الموضوعية التي لا تقبل المجاملة ولا تحتمل المراوغة في التعامل معها.

معيار الهلال الذهبي المهاجم الذي يحمل الفريق لا الذي يحمل عليه

ثمة معادلة راسخة يؤمن بها جمهور الهلال وإدارته في تحديد مواصفات المهاجم الأول للفريق، وهي معادلة لا تقبل المساومة ولا تتسامح مع الاستثناءات: المهاجم الحقيقي للهلال يجب أن يكون محرك رئيسي للفريق في ما لا يقل عن 90% من مباريات الموسم، حاضر بكامل طاقته وتأثيره، ومتاح للمشاركة الفعلية على أرض الملعب في كل الظروف والمناسبات، وهذا الشرط ليس رفاهية بل ضرورة وجودية تفرضها طبيعة المنافسة الشرسة في الدوري السعودي والبطولات القارية التي يخوضها النادي العاصمي.

والمؤلم في قضية بنزيما أن هذا المعيار الأساسي بالذات هو الجانب الذي يعجز عنه النجم الفرنسي العالمي، ليس بسبب نقص في الموهبة أو تراجع في المستوى الفني الخالص، وإنما بسبب عامل خارج عن إرادته تماما، ألا وهو الإصابات المتكررة التي باتت تلازمه وتقيد حضوره وتحول دون استمراريته بالصورة التي يتطلع إليها الجميع.

أربعون عام وجسد لا يسعف الطموح

يبلغ كريم بنزيما الأربعين من عمره في الموسم المقبل، وهو عمر يمثل في لغة كرة القدم المحترفة مرحلة تأتي فيها الإصابات أكثر تواتر وأبطأ تعافيا، وتصبح فيها الاستمرارية الكاملة طوال الموسم من المهام التي تتجاوز قدرات أجسام معظم اللاعبين مهما بلغت عظمتهم وتميزهم.

وهذه ليست إساءة لبنزيما ولا تقليلا من قيمته التاريخية وإرثه الكروي الثري، بل هي حقيقة بيولوجية موضوعية يعترف بها الجميع بمن فيهم أعظم اللاعبين الذين مروا بهذا العمر.

وبالنظر إلى سجل الإصابات الذي رافق بنزيما طوال فترة وجوده في الدوري السعودي، يتبين بجلاء أن الأمل في أن يكون الموسم القادم مختلف ومخالف لهذا النمط يبقى أمنية بعيدة عن الواقعية والموضوعية، خاصةً أن العامل الزمني سيزيد من تعقيد المشهد لا من تبسيطه.

"صفقة إنقاذ موسم" لم تنقذ

وصف كثير من المتابعين انتقال بنزيما إلى الهلال في حينه بأنه جاء في إطار "صفقة إنقاذ موسم"، أي أنها كانت قرار تكتيكي ظرفي بامتياز لا استثمار استراتيجي طويل الأمد، وهي صفقة بكل المقاييس الموضوعية لم تحقق الغرض المطلوب منها بالشكل الكافي والمأمول، سواء من حيث الحضور الميداني المنتظم، أو من حيث التأثير الفعلي المتواصل على مسيرة الفريق في المحطات الحاسمة.

وهذا التقييم لا يلقي باللوم كله على اللاعب بشخصه، إذ إن الإصابات ليست اختيار، لكنه يضع المسؤولية على القرار الإداري المتعلق بتمديد هذه التجربة أو إنهائها في توقيتها الصحيح، ويجسد تساؤل مشروع حول جدوى الاستمرار في رهان لم تأتي ثماره بالقدر المأمول.

الهلال في مفترق الطرق

يقف الهلال الآن أمام لحظة حقيقة تستوجب الجرأة والوضوح في اتخاذ القرار الصعب الذي يخدم مصلحة الفريق على المدى البعيد، بعيد عن اعتبارات الاسم والبريق الإعلامي وما يحدثه رحيل نجم بحجم بنزيما من صدى واسع.

فالنادي الذي يطمح إلى الهيمنة المحلية والتميز القاري، يحتاج في خطه الأمامي إلى مهاجم يجمع بين الموهبة والديمومة والحضور الفعلي طوال الموسم، وهو معيار لم يعد بنزيما في وضع يمكنه من تلبيته باستمرار مهما احترمنا مسيرته الاستثنائية وأجللنا إرثه العالمي العظيم.

وهكذا، تبدو نهاية هذا الفصل من قصة بنزيما مع الهلال قرار حتمي تمليه الضرورة الرياضية قبل أي اعتبار آخر، في انتظار أن تبادر الإدارة إلى اتخاذه بالشجاعة والوضوح اللذين تستحقهما مرحلة بالغة الأهمية في تاريخ النادي العاصمي.